أحمد بن محمود السيواسي

72

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة مريم ( 19 ) : آية 39 ] وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) ( وَأَنْذِرْهُمْ ) الواو للاستئناف ، أي خوفهم يا محمد ( يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) أي بيوم الندامة على ما فات منهم وهو يوم القيامة ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار ولو أساء ليزداد شكرا ، ولا يدخل أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة » « 1 » ( إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ ) بدل من « يَوْمَ الْحَسْرَةِ » ، أي إذا فرغ من الحساب واستقر كل فريق في مقره من الجنة والنار وذبح الموت ، فيقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ( وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ) عما يفعل بهم في الآخرة أو عن الاهتمام لذلك المقام بالإيمان والعمل الصالح ، والجملة حال متعلق بقوله « وَأَنْذِرْهُمْ » ، وكذا قوله ( وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) [ 39 ] أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين بالآخرة . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 40 ] إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ) أي نملك ( الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها ) بأن نهلك سكانها ، ذكر « مَنْ » تغليبا للعقلاء ( وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ) [ 40 ] في الآخرة فنجازيهم . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 41 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) ( وَاذْكُرْ ) لهم ( فِي الْكِتابِ ) أي القرآن ( إِبْراهِيمَ ) أي خبره ( إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً ) أي مبالغا في الصدق بجميع ما صدر من اللّه تعالى أو مصدقا بكل الأنبياء ( نَبِيًّا ) [ 41 ] في نفسه كقوله تعالى « بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ » « 2 » . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 42 ] إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) قوله ( إِذْ قالَ ) ظرف ل « صِدِّيقاً » ، وقيل : بدل من « إِبْراهِيمَ » ، والجملة بينهما اعتراض « 3 » ، أي واذكر وقت قوله ( لِأَبِيهِ ) آزر بن تارخ ( يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي ) أي لا ينفع ( عَنْكَ شَيْئاً ) [ 42 ] فيه توبيخ وتنبيه على ضلالته بعبادة جامد لا ينفعه شيء في الدنيا ولا في الآخرة ، قرئ يا أبت بفتح التاء وكسرها « 4 » ، والمعنى : أنه خاطب أباه أولا عند دعوته إلى الإسلام مع طلب علة منه في خطئه بالتنبيه عليه بقوله : يا أبت لم تعبد ما ليس بحي مميز سميع بصير مقتدر على الثواب والعقاب نافع ضار ، ومثله ليس أهلا للربوبية والعبودية فأعرض عن عبادة الصنم ووجه وجهك إلى الذي استحق الربوبية والعبودية ، إذ العبادة هي غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية الأنعام ، وهو الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب ، فإذا وجهت العبادة إلى غيره لم يكن إلا ظلما وغيا وكفرا . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 43 ] يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) ثم ثنى دعوته إلى الحق بالتلطف والترفق « 5 » به فقال ( يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ) شيء ليس معك وهو ( ما لَمْ يَأْتِكَ ) من اللّه ، يعني علم الدلالة على الطريق السوي ( فَاتَّبِعْنِي ) ولا تستنكف عن التعلم مني انجك من طريق الضلالة ( أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ) [ 43 ] أي مستقيما . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 44 ] يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) ثم ثلث دعوته إلى الحق بقوله ( يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ) لأنك إذا عبدت الصنم فقد عبدت الشيطان ( إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ) [ 44 ] أي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع النعم من عنده ، وهو عدوك الذي لا يريد بك إلا كل خزي وهلاك ، وهو الذي أغوى آدم وذريته آباءك وأبناء جنسك ، فإنك إن حققت النظر عابد الشيطان .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل ، 2 / 541 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 621 . ( 2 ) الصافات ( 37 ) ، 37 . ( 3 ) وقد أخذ المفسر هذا الرأي عن البيضاوي ، 2 / 32 . ( 4 ) « يا أبت » : قرأ الشامي وأبو جعفر بفتح التاء ، والباقون بكسرها . البدور الزاهرة ، 199 . ( 5 ) والترفق ، وي : والرفق ، ح .